ماذا تُريدني أن أًسمع طبيبتي؟ وماذا تُريدني أن أُجيبها ؟ أن من كان سندي وظهري في هذه الحياة رحل دون أن ينظر خلفه ؟
أن من كان في حضوره يروي عروق القلب ماءً معجونًا بالبركة , جفّت ينابيعه ورحل ؟
أهملتني لأنني فقدتُ إيماني بنفسي؟
ابتسم لطبيبتي وأصمت .
3 أشهر وربما تزيد لم أطرق بابها ولم أقترب من عيادتها, كنتُ أقول بأنني أكبر من أن أشتكي وأبكي, أنا أقوى من أنهار في لحظة ضعف/ شوق .
كانت الدنيا كصحراء خاوية زادها الجفاف عطشًا, حاولت أن أُحيلها إلى واحة ! تعبت .
أحتجتكَ سماءً حين ضاقت عليّ الأرض
أحتجتكَ حياة حين مرً الموت بين أنفاسي وقلبي
أحتجتكَ صدقًا حين زُيّنت الحياة بالزيف وأصبحتُ أمتهن الكذب .
في بُعدك :
تعلمتُ طرقًا عدة للبكاء ووضعيات كثيرة تحميني من الهواء إذ يهيّج فيني الحنين .
أصبحتُ أجيد الكتابة عنك, وأتفنن في تشكيل الحروف كيفما أريد .
أحاول التخفيف من ألمي بتذكر آلام الآخرين, نخل بغداد إذ يدمي, وفراته إذ يصرخ بصوت مبحوح لا أحد يسمعه.
وما أنفك حتى أذكر, القصة الصغيرة, ابتسامتك المائلة, كتفك الذي لا يحوي رأسي, رسائلك التي زرعتها في يدي ونحنُ واقفان في مواقف السيارات في مستشفى كبير كلها كبرت والله العظيم أنها كبرت.
يا عزيزي لم أعد أخشى من شيء كما السابق, لا أبالي أهو قلبي الذي يصغر أم أن ذكرياتي التي كبرت وضاق بها صدري وأرضي ومتكأي ؟
يدي تراخت قبضتها, وذراعي كغصن زيتون مُرهق, أساوري كبرت علي, عيناي بحيرتان من وجع, شاخ رأسي, وكلها وقفت غصّة في طريق حلمي الذي أُفرغت منه !
حلمي الذي أجبروني أن أُجهضه لأن لا ولي أمر له وليس هُناك من يرفع يده ويقول أنا لها .
حلمي الذي أستفرغتهُ من جوفي قسرّا, فسقط الى الأرض ينتظرني في قبر حُفر لكلينا .
هذا النصّ يا مُهنّد وقف كثيرًا في حلقي, هذا النص حكاية صغيرة تحشرجت في صدري ورفضت أن يلفظها فمي .
صرتُ حزينة وبائسة, صرتُ في كل رواية أقرؤها الجزء الذي لا يلفت القارئ, صرت في كل لوحة الجانب الذي لا يراه الفنان, الشارع الذي يمر الناس من خلاله ولا ينتبهوا للتغييرات التي طرأت عليه, السماء حين تبكي ولا ينظر لها أحد, طابع بريد مرمي على الأرض, قاطرة متوقفة منذُ زمن لم يسأل عليها أحد, صندوق بريد مُهمل ويعلوه غُبار, أنا الظل ! أولدُ في النور وأموت في العُتمة .
أسقط مُجددًا حين يصطدم بي القدر من جديد فأتكأ على سبباتي وأقترب من الأرض, المسافة التي تفصلني عن الأرض هي مقدار الحياة التي عشتها, كل من يمر بي أتعلق بأذياله وأقسم عليه أن يخبرني الحقيقة!
هل لي جناحان؟ ذيل؟ قرون مثلًا ؟
أنا مثلكم ولهذا لي ملامح تشبهكم وجسدًا يمشي مثلكم, هذا كله ليس فراغًا !
اخبروني إذًا لماذا تعبرونني دائمًا تاركين خلفكم أثرًا خفيفًا من وجع ؟
أُحاول أن أقسّم الوجع على أوراق وأتركها على شرفتي, لعلّ طيرًا يأخذها ليزرعها في مكان ما وينبت منها حديقة ورد كبيرة لها قدرة عجيبة في الشفاء من الأوهام.
الشرخ الذي في صدري والذي يشبه خريطة فلسطين يكبر ويزداد اتّساعًا, يكبر بطريقة بائسة وبشكل مُؤلم, أنقلب على وجهي وأنا نائمة كي يهفت الألم, وأدس قدمي تحتي كقطة أضناها البرد, وأضع يدي في فمي وأصرخ.
قل لي بالله عليك ماذا تبقى لي في هذا العالم ؟
حفنة من ورق, وصوت عصفور, بضع زجاجات عطر, قميص أزرق يحمل توقيع سامي الجابر يضيق على جسدي, قلم رصاص, مجموعة كُتب, وجينز أزرق يبكي في الزاوية من الرسائل التي تكوّمت في جيبه.
رسائل أصابعي بريئةٌ منها, أحاول بها التطهر منك بقدر بعدكَ عني, بحثتُ مطولًا ولم أجدك!
أعلم بأن الوقت الذي مرّ على غيابك قصيرّا مقارنة بالفترة التي قضيتها بين يديك, لكنني نسيت, مُلئ قلبي بالحرائق, ركضت مُبتعدًا ونسيتَ كفّي في يدك, لا أطالبك بكفّي ولا أسأل عن أصابعي التي بُترت من أغنية كُنت تُرددها وأنتَ تضغط على أصابعي, لا أريدك أن تُغني لي بل اقرأ المعوذات وانفث على روحي علّها تهدأ .
من كان يظن بأنكَ حين تُغني لي كُنتَ تُرتب موعدًا مع سفر لا تعود منهُ أبدًا؟
رحلت وتركتَ في داخلي منفى, احترمت غيابك بما يكفي.
أنا فتاة يومًا ستكتب في سيرتها الذاتية أنها نسيت كفّها في يد رجل, وأصابعها مبتورة من مقطوعة غنائية, وصوتها مبحوح لا يصل الى نهاية الممر.
+ 







